أحمد بن محمد القسطلاني
2
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
[ مقدمة الشارح ] بسم الله الرحمن الرحيم يقول أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني غفر الله له آمين : الحمد لله الذي شرح بمعارف عوارف السنة النبوية صدور أوليائه ، وروّح بسماع أحاديثها الطيبة أرواح أهل وداده وأصفيائه ، فسرّح سرّ سرائرهم في رياض روضة قدسه وثنائه ، أحمده على ما وفق من إرشاده وأسدى من آلائه وأشكره على فضله المتواتر الكامل الوافر ، وأسأله المزيد من عطائه وكشف غطائه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفرد المنفرد في صمدانيته بعز كبريائه ، واصل من انقطع إليه إلى حضرة قربه وولائه ومدرجه في سلسلة خاصته وأحبائه ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المرسل بصحيح القول وحسنه رحمة لأهل أرضه وسمائه ، الماحي للمختلق الموضوع بشوارق بوارق لألائه ، فأشرقت مشكاة مصابيح الجامع الصحيح من أنوار شريعته وأنبائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى آله وأصحابه وخلفائه آمين . وبعد فإنّ علم السنة النبوية بعد الكتاب العزيز أعظم العلوم قدرًا وأرقاها شرفًا وفخرًا ، إذ عليه مبنى قواعد أحكام الشريعة الإسلامية ، وبه تظهر تفاصيل مجملات الآيات القرآنية ، وكيف لا ومصدره عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . فهو المفسر للكتاب وإنما . . . نطق النبي لنا به عن ربه وإن كتاب البخاري الجامع قد أظهر من كنوز مطالبها العالية إبريز البلاغة ، وأبرز وحاز قصب السبق في ميدان البراعة وأحرز ، وأتى من صحيح الحديث وفقهه بما لم يسبق إليه ولا عرّج أحد عليه ، فانفرد بكثرة فرائد فوائده وزوائد عوائده ، حتى جزم الراوون بعذوبة موارده ، فلذا رجح على غيره من الكتب بعد كتاب الله ، وتحرّكت بالثناء عليه الألسن والشفاه ، ولطالما خطر في الخاطر المخاطر أن أعلق عليه شرحًا أمزجه فيه مزجًا وأدرجه ضمنه درجًا ، أميز فيه الأصل من الشرح بالحمرة والمداد واختلاف الروايات بغيرهما ، ليدرك الناظر سريعًا المراد ، فيكون باديًا بالصفحة مدركًا باللمحة كاشفًا بعد أسراره لطالبيه ، رافع النقاب عن وجوه معانيه